عباس حسن
606
النحو الوافي مع ربطه بالأساليب الرفيعة والحياة اللغوية المتجددة
--> خبر « إن » مع مجىء الرفع في قوله تعالى : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ، وَالَّذِينَ هادُوا ، « وَالصَّابِئُونَ » ، وَالنَّصارى - مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ . . . ) ؟ فكلمة خ خ الصابئون : وقعت بعد العاطف وقبل خبر « إن » وهو : « من آمن » واسم « إن » هو كلمة : « الذين » ومثلها قراءة من قرأ قوله تعالى : ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ . . . ) برفع كلمة « ملائكة » بعد العاطف وقبل خبر « إن » وكذلك قول الشاعر : فمن يك أمسى بالمدينة رحله * فإنّى وقيّار بها لغريب فكلمة « قيار » ( وهي اسم حصان الشاعر ) مرفوعة بعد العاطف وقبل خبر « إن » . وغير هذا من الشواهد المتعددة . كيف يقبلون أن تؤول الآية لتطابق القاعدة ولا يتصرفوا في القاعدة تصرفا صريحا يساير الآية ، مع اعتقادهم أن القرآن أفصح كلام عربى وأعلاه ؟ ولم التمحل في الأمثلة العربية الأخرى - وهي كثيرة - وترك القاعدة بغير إصلاح ؟ وهل يصير الأسلوب الفاسد صالحا بمجرد التأويل والنية الخفية من غير تغيير يطرأ على ظاهره ؟ ثم هم لا يبيحون التأويل إلا في الأمثلة المسموعة التي تخالف قاعدتهم ، أما الأمثلة التي هي من كلام المحدثين ففاسدة - في رأيهم - فسادا ذاتيا ؛ فلا يجوز قبولها ، ولا التماس التأويل فيها . وهم يؤولون المرفوع في الأمثلة السالفة وأشباهها بما نعتبره حكما عاما غير مقصور على الوارد المسموع ، فيؤولون المرفوع في الآية الأولى وفي البيت بأنه مبتدأ - خبره محذوف ، والجملة معترضة - بين اسم إن وخبرها ، لتقدم المبتدأ وخبره عن مكانهما ، وتوسطهما بين اسم « إن » وخبرها . فأصل الآية - عندهم : ( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا - وَالصَّابِئُونَ كذلك - ( من آمن منهم ) - وأصل البيت : فإني - وقيار غريب - لغريب ويفضلون أن تكون الجملة في المثالين اعتراضية لا معطوفة ، فرارا من العطف قبل تمام الجملة المعطوف عليها ، إن جعل من عطف الجمل ، وفرارا من تقدم المعطوف على المعطوف عليه إن عطف المرفوع على الضمير المستتر في الخبر فهم يؤولون البيت بتأويل الآية الأولى وحدها فيجعلون كلمة : « غريب » المشتملة على لام الابتداء خبر « إن » ولا يجعلونها خبرا لكلمة « قيار » لأن دخول لام الابتداء على خبر المبتدأ ضعيف . فخبره هنا محذوف ؛ والتقدير « وقيار غريب » أو « وقيار مثلي » والجملة منهما اعتراضية . أما في الآية الثانية فيلتمسون تأويلا آخر ، فيجعلون خبر « إن » هو المحذوف ، ويجعلون الاسم المرفوع مبتدأ خبره المذكور بعده ، والتقدير عندهم : إن اللّه يصلى على النبي ، وملائكته يصلون على النبي ، إذ لا يصلح في هذه الآية التقدير الأول الذي صلح لسابقتها ، لما يترتب عليه من أن يكون التقدير ؛ إن اللّه يصلون على النبي ؛ فتختل المطابقة اللفظية بين اسم « إن » وخبرها ، وهي لازمة كما قلنا ، فإن لم يوجد ما يعين أحد التأويلين فهما - عندهم - جائزان . كل هذا عناء لا مسوغ لاحتماله ، يريحنا منه الأخذ بالرأي الذي يبيح الأمرين الرفع والنصب بالتوجيه الذي شرحناه ، فوق ما فيه من راحة أخرى ؛ إذ يجعل القاعدة واحدة مطردة ؛ فيسوى بين العطف بعد مجىء خبر « إن » وقبل مجيئه . على أننا نقول : حسب الناس في المسألة السابقة أن يحاكوا أساليب القرآن ، والكلام العربي الفصيح ، فلا نرهقهم بالتأويلات المختلفة وفهمها . ومن شاء أن يؤول كلامهم بعد قبوله كما أؤل القرآن ، فليفعل . وعلى ضوء ما سبق يمكن الوصول إلى حكمين : أولهما : فساد التركيب في مثل : « إن محمدا وإن عليا منطلقان ؛ لاشتماله على خبر واحد لمتعاطفين ، تكررت فيهما « إن » فيكون معمولا لعاملين مختلفين ، هما : « إن » الأولى و « إن » الثانية